Changing The World Is Not Just A Dream

لا زال الأرق رفيق لياليّ الطويلة, وأنا أحدق في السماء المظلمة التي تملؤها الغيوم, تشابه في عشوائيتها وتجهمها ذلك التيار اللانهائي من الأفكار القاسية التي تقض مضجعي ليلة تلو ليلة! أن ترى السماء بهذه الظلمة يجعلك تلغي أي احتمال لبزوغ الشمس بعدها, فأي نور يُسلخ من حلكة الليل؟ وأي أمل يُغزل من الحلة البشعة التي يرتديها الظلام؟ وتلك هي حياتنا, ظلمة المواقف التي نتعرض لها وبردها القاسي تطرد بصيص الأمل الذي سيعيد للحياة بريقها ودفئها, لكننا نغفل عن حقيقة أن الشمس ستشرق لا محالة, وأن اليأس سينصاع لإرادتك, هنا تظهر جلادتنا.

قرأت ذات مرة أن ألمع النجوم وأكثرها بريقاً تظهر عندما تكون السماء في قمة ظلمتها وسوادها, هذه النجوم إنما هي الأشخاص الذين ينيرون لنا الدرب حين نفقد القدرة على المسير في الظلام, وحينما تقودنا العثرات التي نواجهها إلى الجلوس على ناصية الطريق في انتظار من يأخذ بيدنا, لنمشي معاً, يداً بيد, لتلوح بعدها شرارة في الأفق تعلن ولادة الصبح, ليتبين بها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر! لم أشهد لحظة بهذه العظمة وهذا السحر من قبل, أن يُولد الضياء من بين فكي الظلام, أن ترى انبعاث الحياة في الأشياء جميعها, أن ترى سريان الحياة في عروق كانت ميتة قبل هنيهة, أن تشهد تفجر نبع الأمل في صحراء اليأس القاحلة.. ذلك هو الشروق, أن تدرك معنى الوجود.

الشروق هو أن تنهض وتعيد الكرّة من جديد بعد الظلام الذي أعياك, أن تفعل المستحيل لكي تحتفظ بهذه اللحظة الجميلة, وتختزن هذه الذكرى, اللحظة التي تحس فيها بعظمة الولادة من جديد, اللحظة التي تكون فيها شاهداً على “والصبح إذا تنفس”, لكي تدافع عن كل الأحاسيس الرقيقة الرائعة, لكي تعيش صباحاً آخر وتنصت إلى سمفونيات تشايكوفسكي وباخ, لكي تملأ رئتيك بهواء لم تدنسه ظنون البشرية وخطاياها بعد. إنه ذلك الشعور بالتحرر والإنعتاق من قيود الليل, وشعورك بانتماءك إلى الطبيعة, واستعادة قدرتك على تجاوز العقبات التي تركتها على طاولتك الصغيرة في الليلة الماضية, أن ترتقي إلى العلياء كما ترتقي الشمس إلى كبد السماء.

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا

Advertisements

Comments on: "دروس من شروق الشمس" (9)

  1. mohammad attari said:

    رائعة ….

  2. أرفعُ قبعتي وأنحني، أمتعني بالمزيد

  3. ياااااااه.. كم اسعدتني قراءة تلك الكلمات التي انتظمت لتشكل ابداع حد الجمال..

    دام قلمك نابضا عبدالرحمن.. ودمت متأملا بارعا

  4. تتغنى بضياء شروق الشمس .. ونبع الأمل من هذا الشروق .. و تضع صورة للقمر وذئبه الذي لا يظهر الا باكتمال القمر .. !! لماذا ؟
    نظرت للسماء التي تملؤها الغيوم .. و تناسيت بأن خلف هذه الغيوم ذلك القمر الذي لطالما تغنّيت فيه .. تناسيت نجم الشمال .. الذي ما تاه تائه إلا وكان دليله .. تناسيت بأن الغيوم تخفي القمر و النجوم ولا تقتلها … و تناسيت أن الغيوم هبة ريح تحركها .. الغيوم زائلة .. لكن النجوم وقمرها لا تزول .. 🙂

    أعجبني ما رأيت بنور الشمس المولود من رحم المعاناه .. رأيت الأمل والاعجاز الكوني الذي خلقه رب العباد بهذه الطاهرة و هذا ما لا يراه الكثيرين .. لكن ما أغضبني هو اتهامك لليل وظلامه بالوحشة
    مع أن الفقرة الثانية تثبت اعترافك بوجود القمر و نجومه .. بوجود الأمل .. حتى في أشد حلكة الظلام

    بالنهاية … حقيقة توصلت اليها متأخرة ويبدو بأنك توصلت لها أنت أيضا الان ………. الشمس هس أم الأمل … الشمس بنورها الخفي هي من يعطي القمر و النجوم الضوء …. من يقترب للشمس ينصهر .. ومن بنظر للشمس مباشرة لا يرى ثانية … الشمس هي أم الكواكب ونبع ضوء المجرة الشمسية ….. حقيقة نصل اليها متأخريين ……………………
    رينا ما خلق هذا باطلا

    🙂

    دام قلمك بتناقضه الغير معهود حليف أملك العامر
    و دمت بخير 🙂

    • للقمر والذئب دلالة عميقة في ذاتي, ولا أرى تناقضاً حين أتحدث عن شروق الشمس, فالنهار والليل مترابطان ومتواصلان, ثمة جزئين مختلفين في الليل, ظلمة الليل, ونجوم السماء وقمرها, جزءان متضادان يحمل أحدهما الهدى ويحمل الآخر اليأس, لكن الفارق أن الظلام ينطوي مع شروق الشمس في حين أن النجوم اللامعة بحق تتمسك ببريقها حتى ولو طغى عليه نور الشمس, فكم أتمنى أن أخرج من الظلمة التي تمثل جزءاً من قصة البدر والذئب, وفي ذات الوقت أظل متمسكاً بذات القمر الذي وقفت له بشموخ, ثم تأتي الشمس لتزيدني توقداً واصراراً..

      لربما الفارق بين نجوم السماء ونجوم الأرض أن بعض نجوم الأرض تزول.. ربما تزول الغيوم, ولكن الظلمة لا تزول, والخوف لا يزول, والبرد الذي يغزوك أثناء الليل لا يمكن أن يزول إلا بإشراق شمس جديدة, حياة جديدة..

      كما ذكرت, لا أرى سبباً لغضبك من امتعاضي من الليل ووحشته, فما يحزنني هو الظلام الذي تصادف مع خفوت النجوم وسقوطها, وليس النجوم التي ولدت لتبقى, النحوم المحفورة في السماء, إن خفت نجم اهتديت به عندما كان دربي حالك الظلمة, فكيف اهتدي بذلك النجم ثانية؟ وكيف أتأكد من أنه سيلازم سطوعه؟. وكيف يحزنني القمر الذي كان فيه لي عزاء وغزل..

      الشمس وإن كانت تعطي القمر نوره, فإن ذلك النور يراقبنا ويحفظنا صباح مساء, والنجوم الساطعة تدلنا على الطريق الصحيح حينما يعجز القمر والنجوم الهزيلة عن تجاوز الغيوم

      أعذيريني ان كنت قاصراً عن رؤية التناقض الذي تتحدثين عنه

  5. فالتهنأ بما تراه بأعين الشمس متجاهلا ما تشعره بالقمر..
    فالتهنأ بحرارة الشمس .. أو بحريقها .. فالتهنأ بولهك الجديد .‏. فالتهنأ بقصور نظرك و بشموخ تناقضك =]

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: